السيد محمد حسين فضل الله

234

من وحي القرآن

بحسبه مما يمتلك الآخذون به والمتحدثون عنه معرفته تبعا لما يعلمونه من أصول الأشياء ومصادرها ، فقد يختزن المستقبل بعضها مما لا يملك معرفته إلا اللَّه ، أو ممن عرفهم اللَّه سرّها إلهاما أو وحيا أو من خلال ما عرّفهم من علامات الأحداث وأسبابها وخلفياتها أو مما أمكنهم الاطلاع عليه بوسائلهم الخاصة ، ومنه الثقافة العملية الممتدة في عمق الأمور وخلفيات القضايا وأسرار النفس الإنسانية . وفي ضوء ذلك ، يكون المقصود من تأويل هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ، هو إرجاع الأمور إلى غير حقيقتها ، وتحويلها عن مصادرها الحقيقية في النفس وفي الواقع ، وتحريف النص عن مساره الطبيعي في الإنسان والحياة . وبما ذكرناه من تفسير التأويل ، يتضح صحة ما أشرنا إليه سابقا من أن ( الواو ) في قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ للعطف - كما هو الأصل فيها - لا للاستئناف كما ذهب إليه جماعة من الصحابة كأبيّ بن كعب وعائشة وابن عمر ، حيث كان رأيهم الوقوف على لفظ الجلالة ، وأما « الراسخون في العلم » فكلام مستأنف ، يقولون : آمنّا به ، لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق للَّه تعالى ، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض . وقد جاء في رواية ابن مردويه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم قال : « إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ، ولكن نزل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم به فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به » « 1 » مما قد يوحي بأن المتشابه مما لا يفهمه الناس ، فقد استأثر اللَّه بعلمه .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 96 .